السيد محمد تقي المدرسي
29
في رحاب بيت الله
بل ونحيب ، سيما والمحبوب يحب أنين المستغفرين ، بل هو أحب إليه من ذكر الذاكرين . فليس على العبد إلا أن يطلب من ربه كل أمر كبير وصغير ، فيطلب العتق من النار مثلًا ، ويطلب أن يحشره مع الأبرار ، ويطهّر نفسه من العار والشنار ليكون لدى خالقه في عداد سلمان وأبي ذر والمقداد . . وفي منزلة الشهداء الأخيار الذين واسوا أبا الأحرار الإمام الحسين عليه السلام ، أولئك الطيبون الأولون الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل العقيدة وإعلاء كلمة الإسلام ، سيما وهو بمحضر رب كريم لا يفد الوافدون على أكرم منه . ثم ماذا بعد الفوز بهذا الغفران الإلهي ؟ لعل أدل ما يتبادر للإنسان بعد أن يحضى بالمغفرة وينال العفو والصفح من لدن عفوّ غفور ، أن يعمل على إلغاء الحجب ورفع الحواجز التي أقامها فيما سبق بينه وبين الله تبارك وتعالى . تلك الحواجز والعقبات التي أوجدها هو نفسه بما كسبت يداه من المعاصي وما اقترف من الذنوب ، وليس عليه الآن إلا أن يعقد عزائم قلبه على أن لا يعود إليها مرة أخرى . لكنّ الذي ينبغي التوجه إليه والتأكيد عليه هو أن تلك المعاصي والذنوب على اختلافها كبراً وصغراً تشكل معصية بحد ذاتها ، سواء استصغرها العبد أم لا ، استهان بها وبآثارها أم لا . وفي المقام يجدر بنا أن نؤكد على تلك التي قد يستهين بها فاعلها فلا يتبادر إلى ذهنه أنها من المعاصي أصلًا ، لأننا نلحظ أن الإنسان عادة إنما يتوجه باستغفاره إلى الذنوب التي يعتقدها كبيرة . ولعل هناك من الذنوب مما يبدو صغيراً تافهاً لدى فاعله ، لكنه يكون بائساً لوقوفه منتظراً عشرة آلاف سنة يوم الحساب ، حتى لو كانت المعصية كلمة حق يراد بها باطل .